المبشر بن فاتك

161

مختار الحكم ومحاسن الكلم

فقال للغلام : ادع الرجل . فدعاه ودخل ، معه الشربة فتناولها منه وشربها ، فلما رأوه قد شربها غلبهم من البكاء والأسف ما لم يملكوا معه أنفسهم . فعلت أصواتهم . فأقبل عليهم سقراط يلومهم ويعظهم وقال : إنما صرفنا « 1 » النساء لئلّا يكون منهم هذا . فأمسكوا استحياء منه وقصدا للطاعة على مضض « 2 » شديد منهم في فقد مثله . وأخذ سقراط في المشي والتردد هنيهة ثم قال للخادم : قد ثقلت رجلاى علىّ . فقال له : استلق . فاستلقى ، وجعل الغلام ينخس قدميه ويقول له [ 31 ب ] هل « 3 » تحس غمزى لهما ؟ قال : لا ! ثم غمز ساقيه وجعل يسأله ساعة بعد ساعة وهو يقول : لا ! وجعل يحمد اللّه تعالى أولا فأولا ويشتد برده حتى انتهى إلى حقويه . فقال الخادم : إذا انتهى البرد إلى قلبه مات . فقال له أقريطون : « يا إمام الحكمة ! ما أرى عقولنا إلّا تبعد عن عقلك ، فاعهد لنا » . فقال : « عليكم بما أمرتكم به أوّلا » . ثم مدّ يده إلى يد أقريطون فوضعها على خده ، فقال له : « مرني بما تحب » . فلم يجبه بشئ . ثم شخص بصره وقال : « أسلمت نفسي إلى قابض أنفس الحكماء ! » ومات . فأطبق أقريطون عينيه وشدّ لحييه . ولم يكن أفلاطون حاضرا معهم لأنه كان مريضا . وذكر أن سقراط هلك عن اثنى عشر ألف تلميذ وتلميذ تلميذ . وكان رجلا أبيض أشقر أزرق « 4 » ، جيّد العظام ، قبيح الوجه ، ضيّق ما بين المنكبين ، بطىء الحركة ، سريع الجواب ، شعث اللحية ، غير طويل ؛ إذا سئل أطرق حينا ثم يجيب بألفاظ مقنعة ؛ كثير التوحّد ؛ قليل الأكل

--> ( 1 ) ب : سرف . ( 2 ) ح : مضيص . ( 3 ) هل : ناقصة في ح . ( 4 ) ب : وأزرق .